خطبة الجمعة القادمةِ: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ د محمد حرز

خطبة الجمعة القادمةِ: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ د محمد حرز بتاريخ: 5 شوال 1446هــ –4أبريل 2025م
خطبةُ الجمعةِ القادمةِ word : ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ د محمد حرز
خطبةُ الجمعةِ القادمةِ pdf : ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ د محمد حرز
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَخْلَاقَ مِنَ الدِّينِ، وَأَعْلَى بِهَا شَأْنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَفَعَ بِمَكَارِمِهَا أَقْوَامًا فَكَانُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ، الْحَمْدُ للهِ الرَّفِيقِ بِعِبَادِهِ، اللَّطِيفِ بِخَلْقِهِ، أَمَرَ بِالرِّفْقِ وَاللُّطْفِ، وَنَهَى عَنِ الفَظاظةِ وَالْعُنْفِ، ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ كَانَ مِنْ أَجَلِّ أَخْلاقِهِ التَّلَطُّفُ وَالْحِكْمَةُ، وَأَمَرَ أَتْبَاعَهُ بِالرِّفْقِ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ، القائل عَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى بُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، وَظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَلان الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ(، فاللهُمَّ صلِّ وسلمْ وزدْ وباركْ على النبيِّ المختارِ وعلى آلهِ وصحبهِ الأطهارِ وسلمْ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.
عبادَ الله:﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ [الضحى: 9]) عنوانُ وزارتِنَا وعنوانُ خطبتِنَا.
عناصرُ اللقاءِ:
أولاً : الله الله في كفالة اليتيم
ثانيًا: عقوبة من ظلم أو أكل مال اليتيم
ثالثًا وأخيرًا : كيف تُؤمِّن مستقبل ولدك بعد موتك ؟!
أيُّها السادةُ: ما أحوجنَا في هذه الدقائقِ المعدودةِ إلي أنْ يكونَ حديثُنَا عن التيسيرِ والتخفيفِ وتركِ الكبرِ والغرورِ، وخاصةً ونحن نعيشُ زمانًا أُكلت فيه حقوق اليتامى عند الكثير من الناس على مرأى ومسمع للجميع وخاصة وفي شهر أبريل من كل عام يحتفل الناس بما يسمى بعيد اليتيم مع أن ديننا أمرنا بالإحسان إلى اليتيم في كل زمان ومكان ، وخاصة اليتيم هو الذي مات أبوه قبل بلوغه سواء كان ذكرًا أو أنثي ولا عبرة بوفاة الأم , فمن ماتت أمه وكان الأب موجودًا فليس بيتيم كما يعتقد الكثير من العوام فالعبرة في اليتيم بموت الأب لا بموت الأم لماذا ؟لأن الأب هو الذي يعول الصغير, و يرعي اليتيم, ويقوم بتأدبه وتعليمه ,وكثيرًا ما يجد ولده فيه من العطف والحنان ما يعوضه عن أمه ,هذا بالنسبة لبني آدم, أما بالنسبة لسائر الحيوانات الآخر فاليتيم هو الذي ماتت أمه .
فِيَا أَيُّهَا الْيَتِيمُ، يَا مَنْ ذُقْتَ مَرَارَةَ الْفَقْدِ، وَاشْتَكَيْتَ لَوْعَةَ فُرَاقِ الْأَبِ، يَا مَنْ وَدِدْتَ لَوْ مُتِّعْتَ بِأَبِيكَ وَلِسَانُ حَالِكَ يقول: نَقُولُ لَكَ أَيُّهَا الْيَتِيمُ: لَا تَحَزْنَ فَاللهُ قَدِ ادَّخَرَ لَكَ خَيْرًا وَفِيرًا، وَمَيْدَانُ الْحَيَاةِ أَمَامُكَ، فَأَرِ اللهَ مِنْ نَفْسِكَ خَيْرًا، وَاجْعَلْ نَفْعَكَ يَطَالُ وَالِدَكَ فِي قَبْرِهِ، وَلْيَكُنْ دُعَائُكَ وَعَمَلُكَ نُورًا لَهُ فِي قَبْرِهِ.
أولاً : الله الله في كفالة اليتيم
أيُّها السادةُ: لقد رَغَّب الإسلام القادرين من أهل البر والصلاح والإنفاق إلي كفالة اليتيم وحفظ أموالهم, والعمل علي إعدادهم بدنيًا وجسديًا ونفسيًا وعقليًا هل يصبحوا رجالًا صالحين منذ اللحظة الأولي للرسالة .فلقد كان صاحب الرسالة يتيمًا منذ اللحظة الأولي للرسالة وها هو رب العزة جلا وعلا يمتن علي حبيبه المصطفي ونبيه المجتبى بهذه المنة وهذه النعمة فقال مخاطبا إياه (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ( )سورة الضحى .أي يا محمد خرجت إلي هذه الدنيا فكنت يتيما فآواك مولاك, وكنت ضالا فهداك مولاك, وكنت فقيرا فأغني مولاك ,فلا تقهر اليتيم أبدا . فكان يتمه r تشريفًا لكل يتيم علي ظهر الأرض إلي يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها .
لذا قال الله تعالي مخاطبًا إياه (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) أي يا محمد تذكر أنك كنت يومًا يتيمًا فآواك مولاك فلا تقهر اليتيم أبدا ,بل يسر له أمره إذا بكي فسكته وإذا غضب فأرضه وإذا تعب فخف عنه فكان rيوصي باليتيم, ويبر اليتيم ,ويحسن إليه ,فقال كما في حديث سَهْلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) بل لقد أمرنا الله في القرآن بالإحسان إلي اليتامى بالليل والنهار في كل زمان ومكان وعلي مستوي الأمم والشعوب فقال ربنا { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }بل لقد أخذ الله العهد والميثاق علي بني إسرائيل وهم بنو إسرائيل بأن يحسنوا إلي اليتامى فقال ربنا { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) }بل لعظم مكانة اليتيم في المجتمع قام نبيان كريمان وهما موسي والخضر عليهما السلام ببناء الجدار مع أن أهل القرية منعوا منهم الطعام والشراب عندما أراد موسي أن يتعلم َمن الخضر( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) (سورة الكهف) لماذا ؟ اسمع قال ربنا { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنز لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) } فلماذا لا نحسن إلي اليتامى عباد الله ولماذا نسيئ إليهم بالليل والنهار؟ ولقد جاءت سنة نبيناr تأمرنا وتحثنا علي كفالة اليتيم بل وبينت لنا فضل كفالة اليتيم فمن ذلك: كافل اليتيم جار للنبي العدنان فعن سَهْلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا) وفي رواية بن ماجه( مَنْ عَالَ ثَلَاثَةً مِنْ الْأَيْتَامِ كَانَ كَمَنْ قَامَ لَيْلَهُ وَصَامَ نَهَارَهُ وَغَدَا وَرَاحَ شَاهِرًا سَيْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَكُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ أَخَوَيْنِ كَهَاتَيْنِ أُخْتَانِ وَأَلْصَقَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى) فكافل اليتيم جار للنبي العدنان rفي الجنة فأي فضل بعد هذا الفضل!! وأي شرف بعد هذا الشرف !!وأي منزلة بعد هذه المنزلة !! أنها مجاورة النبي العدنانr في الجنة !!فيا سعادة من كان رفيقا للنبي في الجنة, ويا سعد من كان جار للنبي في الجنة ,ويا تعاسة من أبعد عن مرافقة النبي في الجنة ,ألم تقرأ قول الحق تبارك وتعالي( فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) [سورة أل عمران بل الإحسان إلي اليتيم والأرملة كالجهاد العظيم. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )بل لقد أوحي اللَّهَ تَعَالَى إلَى دَاوُد صَلَّى اللَّهُ عليه عَلَى نَبِيِّنَا السلام : يَا دَاوُد كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ ، وَكُنْ لِلْأَرْمَلَةِ كَالزَّوْجِ الشَّفِيقِ } .وَاعْلَمْ أَنَّك كَمَا تَزْرَعُ كَذَا تَحْصُدُ : بل كافل اليتيم في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلي ظله يوم تدنو الشمس من الرؤوس وقال داود عليه السلام في مناجاته: إلهي ما جزاء من أسند اليتيم والأرملة ابتغاء وجهك؟ قال: جزاؤه أن أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي معناه ظل عرشي يوم القيامة .بل كافل اليتيم يزاحم النبي العدنان علي باب الجنة حكي النبي rلأصحابه قصة أرملة مات عنها زوجها ,وهو العائل الوحيد لها, ورفضت المرأة الزواج من بعده ,وتحملت المرأة مرارة الفراق, وصمدت أمام فتن الدنيا, وتحملت الكثير والكثير, فكان الجزاء بأن زاحمت سيد ولد عدنانr علي باب الجنة ففي الحديث الذي رواه أبو يعلي وغيره وقال عنه الحافظ ابن حجر في الفتح : إسناده لا بأس به ، من حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ” أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ تَأْتِي امْرَأَةٌ تُبَادِرُنِي – أَيْ تُسَابِقُنِي – فَأَقُولُ لَهَا: مَا لَكِ؟ وَمَا أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْتُ عَلَى أَيْتَامٍ لِي”، وفي لفظ: “فَتَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجِي وَتَرَكَ عَلَيَّ أَوْلَادًا فَقَعَدْتُ أُرَبِّيهِمْ”… امْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ لَهَا أَطْفَالًا فَقَامَتْ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَطْفَالِ بِعِفَّةٍ، وَطَهَارَةٍ وَصِدْقٍ، فَنَالَت هَذَا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ.فما هي المؤهلات التي حصلت عليها هذه المرأة ؟أنها ربت الأيتام وتحملت مرارة الفراق , وصمدت أمام فتن الدنيا وتحملت الكثير والكثير فكان الجزاءُ بأن زاحمت سيد ولد عدنان rعلي باب الجنة فأي فضل بعد هذا الفضل!! وأي شرف بعد هذا الشرف!! وأي منزلة بعد هذه المنزلة !! إنها مجاورة النبي العدنان في الجنة, إنها مزاحمة النبي العدنان علي باب الجنة ,فاغتنم الفرصة قبل فوات الأوان وأحسن إلي اليتامى بالليل والنهار ؛ لأن الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
ثانيًا: عقوبة من ظلم أو أكل مال اليتيم
أيُّها السادةُ: لقد حذر الإسلام أشد التحذير وشدد أشد التشديد علي حقوق اليتامى وعلي حرمة الأكل من أموالهم فقال ربنا {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] { قَالَ قَتَادَةُ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ غَطَفَانَ وُلِّيَ مَالَ ابْنِ أَخِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ يَتِيمٌ فَأَكَلَهُ } .الله أكبر … إنها صورة مفزعة … صورة النار في البطون ….. وصورة السعير في نهاية المطاف . يا رب سلم
بل لقد هزت هذه الآية قلوب الصحابةy هزا عنيفا وملأتها بالخوف والرهبة ,ووقعوا في حرج شديد .كما قال ابن عباس : لما نزلت هذه الآية ، انطلق كل من كان عنده يتيم فعزل طعامه عن طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء أي يتبقى من أكل اليتيم فيحبس له ، ولا يأكله أحد حتى يأكله اليتيم ، أو يفسد .فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله r فأنزل الله عز وجل قوله تعالى {ويَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[البقرة:220]فخلطوا طعامهم بطعامهم ، وشرابهم بشرابهم .بل قال ربنا ( وآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)) [سورة النساء أي ظلما كبيرا بل من الوصايا التي وصانا الله إياها الوصية باليتامى قال ربنا { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا…………….. وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) وَفِي تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قَوْمًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ مَشَافِرَهُمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرًا مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ .فَقُلْت يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ : هُمْ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } مصداقًا لقول الحق {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} قال السدي رحمه الله تعالى: يحشر آكل مال اليتيم ظلمًا يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينه كل من رآه يعرفه أنه آكل مال اليتيم. بل آكل مال اليتيم من السبع الموبقات أي المهلكات فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ)
بل جعل الله زجر اليتيم وقهر اليتيم من علامات التكذيب بالدين فقال ربنا( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّين فَذلكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِين “(سورة الماعون: 6). نزلت هذه الآية في العاص بن وائل السهمي وقيل: في أبي جهل أنه كان وصيًا ليتيم ، فجاءه وهو عريان يسأله شيئًا من مال نفسه ، فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي ، فقال له أكابر قريش : قل لمحمد يشفع لك عند أبي جهل ، وكان غرضهم الاستهزاء ولم يعرف اليتيم ذلك ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتمس منه ذلك ، وهو عليه الصلاة والسلام ما كان يرد محتاجًا ولكن هيهات هيهات أنه نبي الرحمة هيهات هيهات, إنه الذي كان يتمه eتشريفًا لكل يتيم علي ظهر الأرض إلي يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) فذهب معه إلى أبي جهل فرحب به وبذل المال لليتيم ,فعيرت قريش أبا جهل ، فقالوا : صبوت ، فقال : لا والله ما صبوت ، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها في ، الله أكبر ولم يكن في يد النبي شيء لكنها عقوبة من ظلم أو ضرب أو أكل مال اليتيم بل جاء في الأثر(إذا ضرب اليتيم أو بكي اهتز عرش الرحمن لبكائه ونادي الله في كبريائه وعظمته يا جبريل من أبكي هذا اليتيم الذي غيبت أباه في التراب فيقول سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا أشهدكم أن من أرضي هذا اليتيم في أرضه من عندي يوم القيامة) {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [سورة النساء
أيُّها السادةُ: عَبْرَ التَّارِيخِ بَرَزَ أَيْتَامٌ كَانَ لَهُمْ شَأْنٌ عَظِيمٌ فلَمْ يَكُنْ لِلْيُتْمِ وَلَمْ يَكُنْ لِفَقْدِ الْأَبِ الرَّحِيمِ الْمُشْفِقِ وَالْمُوَجِّهِ النَّاصِحِ مَانِعًا لَهُمْ مِنَ النُّبُوغِ وَالْبُرُوزِ وَتَحْصِيلِ أَعَلَى الْمَرَاتِبِ. عُلَمَاءٌ وَأَعْلاَمٌ، شُعرَاءُ وَعَبَاقِرَةٌ، وَشَخْصِيَّاتٌ شَهِيرَةٌ، بَلْ مِنْهُمْ قَادَةُ الْعَالَمِ وَعُظَمَائِهِ وَخُبَرَائِهِ، وكُلُّ هَؤُلَاءِ عَاشُوا أَيْتَامًا، فَغَيَّرُوا مَجْرَى التَّارِيخِ بِعَزْمِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ.فَهَذَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَشَأَ يَتِيمًا، وَكَانَ يَرْعَى لِقَوْمِهِ الْغَنَمَ، ثُمَّ لَازَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ رَاوِيَةَ الْإِسْلامِ.
وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي عَدَّهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِألْفِ فَارِسٍ، كَانَ نِتَاجُ تَرْبِيَةِ أُمِّهِ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بَعْدَ أَنَّ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ.
وإِمَامُ الدُّنْيَا فِي الْفِقْهِ الْإمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَدَ أَبَاهُ وَهُوَ دُونَ الْعَامَيْنِ، فَنَشَأَ فِي حَجْرِ أُمِّهِ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَيْشِ وَضِيقٍ مِنَ الْحَالِ، فَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَجَالَسَ فِي صَبَاهُ الْعُلَمَاءَ حَتَّى سَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ.
وَكَذَا تِلْمِيذُ الشَّافِعِيِّ: الْإمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ مَاتَ وَالِدُهُ وَهُوَ حَمْلٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَعَاشَ حَيَاةَ فَقْرٍ وَفَاقَةٍ، فَحَضَنَتْهُ أُمُّهُ وَأَدَّبَتْهُ وَأَحْسَنَتْ تَرْبِيَتَهُ، حَتَّى أَخْرَجَتْ عَالِمًا فَذًّا، وَإِمَامًا وَرِعًا حَفِظَ اللهُ بِهِ الدِّينَ والْعِبَادَ فِي الْفِتْنَةِ.
وَمَنْ مِنْكُمْ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ الدُّنْيَا فِي الْحَدِيثِ والأَثَرِ. الْإمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ صَاحِبُ “الصَّحِيحِ” كَانَ يَتِيمًا، وَقَرَأَ عَلَى أَلْفِ شَيْخٍ، فَصَنَّفَ كِتَابَهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي هُوَ أَصَحُّ كِتَابٍ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَكَانَ هَذَا الْيَتِيمُ نِعْمَةً عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَالْإمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ رَحِمَهُ اللهُ نَشَأَ يَتِيمًا عَلَى الْعَفَافِ وَالصَّلاَحِ فِي حِضْنِ عَمَّتِهِ، فَحَمَلَتْهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ، فَصَنَّفَ وَوَعَظَ، قَالَ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ: “أَسْلَمَ عَلَى يَدِيَّ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفٍ”. وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَثِيرٌ، كَانُوا أَيْتَامًا وَصَارُوا أَعْلَامًا، كَالأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالسُّيُوطِيِّ.
فمن الذي ربي هؤلاء ؟ومن أي الجامعات تخرجوا ؟وأين نحن منهم ومن تعاليمهم؟ أن أحدانا إذا رأي لجاره خيرا كتمه ,وإذا رأي لجاره شرا أذاعه, أن جاري وجارك قد يموت ولا نعلم بمرضه ولا موته, إن أحدانا لا ينام الليل من شدة الحزن , إذا رأي جاره في خير ولا يغمض له جفن, وإذا رأي جاره في مصيبة نام قرير العين هنيئا.
إذا ما الدهر جر علي أناس *** بكلكلة أناخ بآخرين
فقل للشامتين بنا أفيقوا *** سيلقي الشامتون كما لقينا
وأرجئُ بقيةً الحديثِ إلى ما بعدَ جلسةِ الاستراحةِ . أقولُ قولِي هذا واستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ ولا حمدَ إلا له وبسم اللهِ ولا يستعانُ إلا بهِ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ……………وبعدُ
ليس اليتيم من انتهى أبواه *** من الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له *** أُمَّا تخلت أو أَبًا مشغولا
ثالثًا وأخيرًا : كيف تؤمن مستقبل ولدك بعد موتك ؟
أيُّها السادةُ: سؤال يدور في عقل كل إنسان والجواب :ليس بوضع الرصيد له في البنوك, ولكن الجواب ؟ تقوى الله هي خيرُ تركةٍ تتركها لأولادك وأحفادك مِن بعدك كما قال ربنا {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا } [النساء:9]يقول سيد التابعين لولده: [إني سأكثر من الطاعات برًا بك] برًا بولده وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ [الكهف:80] وفي الآية الأخرى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82] طاعة الوالد، وتقوى الوالد لا تضيع أبدًا لا في حياته ولا بعد مماته، كيف لا وقد دخل مسلمة بن عبد الملك ابن عم عمر بن عبد العزيز عليه وهو على فراش الموت، فقال له: [يا أمير المؤمنين! ألا توصي لأولادك بشيء؟ فهم كثير وقد أفقرتهم ولم تترك لهم شيئًا] فقال عمر بن عبد العزيز : [أتريد مني أن أوصي لهم بما ليس لي، وهل أملك شيئًا لأوصي لهم به؟ أم تريد أن أوصي لهم بحقٍ لغيرهم، فوالله لا أفعل، فإنهم أحد رجلين: إما أن يكونوا صالحين والله يتولى الصالحين، وإما أن يكونوا غير صالحين فوالله لا أترك لهم ما يستعينون به على معصية الله عز وجل، أدخلوا أولادي عليَّ! فأدخلوا أولاده عليه كالفراخ الصغيرة، وهو على فراش الموت، فودعهم عمر بهذه الكلمات التي تذيب الحجارة، وتفتت الصخور، نظر عمر إلى أولاده وقال: يا بني! إن أباكم قد خير بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل النار، وبين أن تفتقروا ويدخل الجنة، وقد اختار أبوكم الجنة، انصرفوا فأنتم وديعة عند الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين].وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [النساء:9] وكن من أهل الخير تسعد في الدنيا والآخرة
وأفضلُ الناسِ ما بينَ الورى رجلٌ ***تُقضَى على يدهِ للناسِ حاجاتُ
لا تمنعَنَّ يدِ المعروفِ عن أحدٍ*** ما دمتَ مقتدرًا فالعيشُ جناتُ
قد ماتَ قومٌ وما ماتتْ مكارمُهُم*** وعاشَ قومٌ وهم في الناسِ أمواتُ
حفظَ اللهُ مصرَ مِن كيدِ الكائدين، وشرِّ الفاسدين، وحقدِ الحاقدين، ومكرِ الـماكرين، واعتداءِ الـمعتدين، وإرجافِ الـمُرجفين، وخيانةِ الخائنين.
كتبه العبد الفقير إلى عفو ربه
د/ محمد حرز