خطبة الأسبوعخطبة الجمعةعاجل

خطبة الجمعة : فأما اليتيم فلا تقهر ، للدكتور محمد داود

خطبة الجمعة : فأما اليتيم فلا تقهر ، للدكتور محمد داود ، بتاريخ (5 شوال 1446هـ –  4 أبريل 2025م)

خطبة بعنــــوان:
( فَأَمَّا الْيَتِيـمَ فَـلَا تَقْهَرْ)
للدكتـــــــــور/ محمد حسـن داود
(5 شوال 1446هـ –  4 أبريل 2025م)

العناصـــــر :   
– عناية الإسلام بالأيتام ودعوته إلى رعايتهم.
– صور من العناية بالأيتام.
– ثمرات وفضائل العناية بالأيتام.
– دعوة إلى رعاية الأيتام والتحذير من قهرهم وإيذائهم  .

خطبة الجمعة word : فأما اليتيم فلا تقهر ، للدكتور محمد داود

خطبة الجمعة pdf : فأما اليتيم فلا تقهر ، للدكتور محمد داود

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فإن الإسلام دين يغرس في القلوب مبدأ التراحم، والإحساس ببنية الجسد الواحد، دين يدعو إلى الرحمة واللين والرفق، فهو رحمة كله، إنسانية كله؛ ومما أولاه الإسلام اهتماما ساميا ورعاية خاصة: “اليتيـم”. قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) (النساء: 36) حيث قرن الله (عز وجل) في هذه الآية الكريمة الأمر بالإحسان إلى اليتامى بالأمر بعبادته، وذلك لعظم أمر اليتيم. ومن عظم أمره أيضا أن ترى الأمر بالإحسان إليه في جميع الأمم السابقة، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ) (البقرة: 83).

ولو نظرنا في حياة الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلم) لوجدنا الكثير والكثير من المواقف التي تدلنا على مدى عناية الإسلام بالأيتام؛ إذ يعاملهم كأبنائه كما كان مع أولاد أبي سلمة (رضي الله عنه)، ولما جاءت إليه زوجة سيدنا جعفر بن أبى طالب (رضي الله عنه) بعد أن استشهد، وجعلت تذكر له ما بأولاد جعفر من يتم؛ قال لها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “الْعُيلْةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ” (رواه أحمد) وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى دَابَّةٍ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ نَلْعَبُ، فَقَالَ: “ارْفَعُوا هَذَا إِلَيَّ” قَالَ: فَحَمَلَنِي أَمَامَهُ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِي ثَلاثًا، وَقَالَ كُلَّمَا مَسَحَ: “اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي وَلَدِهِ” (رواه أحمد).

لقد عنى الإسلام باليتيم عناية كاملة شاملة، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:220)، ودعانا إلى الاعتناء به من كل الجوانب:

فكان من العناية باليتيم: العناية النفسية التي تخفف عنه لوعة فراق والده الحاني، وانقطاع وده عنه لما لها من تأثير كبير على نفسيته وسلوكه ونضوجه؛ فجعل النبي (صَلى الله عليه وسلم) خير البيوت بيتا فيه يتيم قد امتزج بمن فيه من أطفال، يعيش حياتهم، ويشاطرهم حنان والدهم، ويشاركهم المرح والفرح، فقال صلى الله عليه وسلمَ: “خَيْرُ بَيْتٍ فِي المُسلِمينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِليهِ، وشَرُّ بَيْتٍ فِي المُسلِمينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِليهِ”. وعَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: “مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلاَّ لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ” (رواه أحمد).

كما كان أطيب المال ما أعطيت منه لليتيم، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ” (متفق عليه) وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ؟ فَقَالَ: “أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ “(رواه البخاري ومسلم).

فبجانب العناية النفسية تجد الرعاية الاجتماعية وتوفير سائر ما يحتاجه من متطلبات الحياة، كالطعام والكساء والسكن وغير ذلك؛ قَالَ تَعالَى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: 215) وعَنْ زَيْنَبَ، امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “تَصَدَّقْنَ، يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ” قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا، عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “مَنْ هُمَا؟” فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَيُّ الزَّيَانِبِ؟” قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ” لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ “(متفق عليه).

– كما تمتد رعاية اليتيم إلى حفظ أمواله وصيانتها وعدم الاعتداء عليها، قال تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (الأنعام: 152) وقال سبحانه: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً) (النساء: 6). فلقد حذر القرآن من أكل مال اليتيم بالباطل، قال تعالى: (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً) النساء2) وقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (النساء: 10) قال السدي: “يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم” (تفسير ابن كثير). فأكل أموال اليتامى بالباطل من السبع الموبقات كما بين المصطفى (صلى الله عليه وسلم) إذ يقول: “اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُويقاتِ” وذكر منه: “أكل مال اليتيم”.

* إن رعاية اليتيم دليل على طبع سليم، وفطرة نقية، وقلب رحيم، كما أنها تساهم في بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهية، غير أنها من أبواب البر، إذ يقول الله (جل وعلا): (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى…) (البقرة: 177).

* بها يلين القلب، وتتنزل البركات، وتقضى الحاجات، وتفرج الكربات؛ فعَنْ أبى الدرداء (رضي الله عنه)، أن رجلاً أتى النبي (صَلى الله عليه وسلم)، يشكو قساوة قلبه، فقال له النبي (صَلى الله عليه وسلم): “أَدْنِ اليتيمَ منك وأَلْطِفْه وامسحْ برأسه وأَطْعِمْه من طعامك فإن ذلك يُلَيِّن قلبَك وتُدْرِك حاجتَك” (رواه البيهقى).

* من أجل أسباب النجاة من عذاب الآخرة، واجتياز الصراط بيسر، قال تعالى: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: 11-15) .

* وقاية من النار، وباب إلى الجنة، قال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا *عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا) (الإنسان: 5-12) وقال الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): “أَيُّمَا مُسْلِمٍ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ” (رواه أحمد).

* فوز بمرافقة الحبيب النبي (صَلى الله عليه وسلم) في الجنة؛ فعن سَهْلِ بن سعد (رضي الله عنه) عَنْ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنه قَالَ: “أنا وَكافلُ اليتيمِ في الجنَّةِ هَكَذا، وأشارَ بالسَّبَّابةِ والوُسطى، وفرَّجَ بينَهما شيئًا”، قال ابن بطال: “حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك “.

 وتدبر ما جاء عن سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ أنه قال: “إنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ عَتَبَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ: أَنَّهُ خَاصَمَ يَتِيمًا لَهُ فِي عذْقِ نَخْلَةٍ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَبِي لُبَابَةَ بِالْعذْقِ؛ فَضَجَّ الْيَتِيمُ وَاشْتَكَى إِلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) لِأَبِي لُبَابَةَ: “هَبْ لِي هَذَا الْعذْقَ يَا أَبَا لُبَابَةَ؛ لِكَيْ نَرُدَّهُ إِلَى الْيَتِيمِ”، فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ أَنْ يَهَبَهُ لِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَعْطِهِ هَذَا الْيَتِيمَ وَلَكَ مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ”، فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ أَنْ يُعْطِيَهُ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنِ ابْتَعْتُ هَذَا الْعَذْقَ فَأَعْطَيْتُ الْيَتِيمَ؛ أَلِي مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “نَعَمْ”، فَانْطَلَقَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ، حَتَّى لَقِيَ أَبَا لُبَابَةَ فَقَالَ: يَا أَبَا لُبَابَةَ، أَبْتَاعُ مِنْكَ هَذَا الْعذْقَ بِحَدِيقَتِي، وَكَانَتْ لَهُ حَدِيقَةُ نَخْلٍ، فَقَالَ أَبُو لُبَابَةَ: نَعَمْ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ بِحَدِيقَةٍ، فَلَمْ يَلْبَثِ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ شَهِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “رُبَّ عذْقٍ مُذَلَّلٍ لِابْنِ الدَّحْدَاحَةِ فِي الْجَنَّةِ “.

الخطبة الثانية:

تفكروا وأنتم تدخلون بيوتكم فيستقبلكم أولادكم بالبشر والسرور فيلتفون حولكم، ويلقون أنفسهم في أحضانكم، فيحاطون بالأيدي، ويضمون إلى الصدور، ويقبلون على الجباه والرؤوس؛ وانظروا إلى غيرهم وتذكروا كم من طفل يتيم حرم من أبيه، لم يستشعر في يوم من الأيام معاني عطف ورعاية ورحمة وحنان الأب، انظروا إلى ذلك اليتيم وقد حرم أعظم حنان وأجل حب.

كم من يتيم ينشد من يقوم برعايته، ويسعى في مصلحته، ويمسح على رأسه، ويخفف عنه بؤسه وحزنه، يتطلع إلى من يرعى شئونه وحاجاته، يتطلع إلى من يعي ويفقه الوصية بهم؛ فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلمَ) قال: “كَافِل الْيتيمِ لَهُ أَوْ لِغَيرِهِ، أَنَا وهُوَ كهَاتَيْنِ في الجَنَّةِ” وَأَشَارَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِالسَّبَّابةِ والْوُسْطى (رواه مسلم) يحتاج إلى من يتدبر أفعال النبي (صلى الله عليه وسلمَ) ومن سار على نهجه من صحابته الأخيار وسلفنا الصالح في رعاية اليتيم وحسن معاملته، ففي الأدب المفرد عن أبي بكر بن حفص أن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) كان لا يأكل طعاماً إلا وعلى خِوانه (مائدته) يتيم. وهذا أبو بَرزة الأسلمي: روى ابن سعد عن الحسن بن حكيم قال “حدثتني أمي أنه كانت لأبي برزة جفنة من ثريد غدوة وجفنة عشية للأرامل واليتامى والمساكين “.

حري بنا أن نحرص علَى رعاية الفقراء والأرامل عسى أن ننال رضا ربنا والرفعة في درجاتنا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ – وَأَحْسِبُهُ قَالَ – وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ” (رواه مسلم) وإياكم وقهرهم أو إيذائهم، فقد قال تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) (الضحى: 9) وقال عز وجل: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (الماعون: 1-2) وعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلى الله عليه وسلم): “اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: حَقَّ الْيَتِيمِ، وَحَقَّ الْمَرْأَةِ” (رواه أحمد).

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، واصرف عنا سيئها، واحفظ اللهم مصر من كل مكروه وسوء

=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومـــدرس
دكتوراة في الفقه المقارن

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى